ماهي، سيشيل: منظوران مصريان مبكران.

مقدمة الرسالة

عندما تنظر إلي موقع جزيرة سيشيل علي خريطة العالم لا تملك إلا أن تشعر بالهول والفزع. صحيح أن فزع موقع جزيرة سانت هيلانة (الجزيرة التي نُفي إليها نابليون) أشد وأعظم، لكن بالنسبة للمنظور المصري الذي تعوّد عبر الزمان أن يستقبل أكثر من أن يخرج من موقعه إلي البحار البعيدة، تظل لسيشيل مهابة ورهبة، أولاً لبعدها عن الكتلة الأرضية لقارة أفريقيا، حيث يعد أقرب معمور إليها هي مدغشقر التي هي جزيرة أخري في حد ذاتها غير متصلة بأفريقيا. وثانياً لموقعها وسط عواصف المحيط الهندي من كل الجهات، حتي ليخيل لك أن المحيط قادر علي ابتلاعها في أي وقت.

ارتبطت سيشيل بمصر مبكراً منذ القرن العشرين، فهي الجزيرة التي نُفي إليها سعد زغلول ورفاقه في المرة الثانية بعد المنفي الأول إلي مالطة الذي أشعل ثورة 1919، وهذه من الغرائب أن تُعيد الإدارة الأستعمارية النفي عام 1921 بعد مرور عامين علي حادثة النفي الأولي. اعتادت الإدارة البريطانية استخدام سيشيل كمنفي منذ استحواذهم عليها من الفرنسيين، فغير فريق الوفد المصري نفوا إليها أيضاً السلطان عبد الله الماليزي، والقس ماكاريوس من قبرص لنشاطهم السياسي.

اليوم سيشيل هي وجهة سياحية عالمية رفيعة المستوي والقيمة، ولكن في 1921 لا يمكنك أن تستدل من “مذكرات النفي” التي كتبها مصطفي النحاس إلا علي مكان صغير في عالم صغير، لا تنمية فيه ولا رعاية، ولا يملك سوي المناظر الطبيعة البكر الباهرة. في جزيرة ماهي، أكبر الجزر السيشيليه، المسماه علي اسم قائد البحر الفرنسي برتراند فرانسوا ماهي ديلابوردونييه، قضي الوفد المصري شهوراً يعيشون بين تدبير الأمور المعيشية اليومية وبين المراسلات والبرقيات التي تشكل أهم حدث في اليوم، وتحوي المذكرات التي حققها الدكتور عماد أبو غازي، لحظات إنسانية عظيمة تبين حجم التضحية التي قدمها مبكراً الوفد المصري بعيداً في المحيط الهندي، وهي تضحية تستحق أن يفخر بها كل مدني مصري.

الضابط الفرنسي برتراند فرانسوا ماهي ديلابوردونييه. مصدر الصورة: ويكيبديا.

تعود ماهي للظهور في الصحف المصرية بعد حوالي عقد من السنوات، في الثلاثينيات، في أوراق بعثة بحرية علمية مصرية إنجليزية -شئ لا نراه كثيراً بعد ذلك في التوقيت- يصاحب السفينة (مباحث) ويكتب عنها الدكتور حسين فوزي، الذي يعرف جيداً قدر وقيمة ماهي، سيشيل. ولهذا نجده في كتابه (جولات في المحيط الهندي) يقع تحت التأثير الروحي لهذه الجزيرة الصغيرة ويكتب رسالة عاطفية في أثر رجال الوفد المصري علي الجزيرة بعنوان (منفي الزعيم).

في هذا الرسالة نقرأ جزء من مقدمة الدكتور عماد أبو غازي لمذكرات النفي بعنوان (سياق تاريخي)، وقد رأيتُ أنها المقدمة التاريخية الأفضل لأحداث هذه الحقبة المثيرة والمهمة، وبعدها نقرأ رسالة حسين فوزي بعد عشرة سنوات في ماهي.

مذكرات النفي (1921) و رسالة حسين فوزي (1937) تعطيانا منظوران مصريان مبكران علي المحيط الهندي، اما خارج نطاق هذه الرسالة فأنني أدعوكم لإكمال قراءة مذكرات النفي لأن فيها الكثير من الإنسانية المصرية، والكثير من حوافز الفخر والثقة بالذات اللذان نحتاجهما أكثر من أي وقت أخر.

محرر المدونة.

———-

سياق تاريخي

بقلم د. عماد أبو غازي

عن كتاب (مذكرات النفي)- دار الشروق 2019

تتناول هذه المذكرات رحلة النفي؛ نفي مصطفي النحاس إلي سيشيل مع سعد زغلول وأربعة أخرين من قادة الوفد، هم: فتح الله بركات وعاطف بركات وسينوت حنا ومكرم عبيد في ديسمبر 1921 لفترة قاربت عاماً ونصف العام؛ فقد قبضت سلطات الاحتلال علي سعد زغلول صباح يوم الجمعة 23 ديسمبر 1921، واقتادوه مباشرة بالسيارة إلي المعسكر الهندس بالسويس، وبعدها بساعات تم القبض علي باقي المجموعة، ونُقلوا إلي ثكنات قصر النيل، ومنها تم ترحيلهم في اليوم التالي إلي السويس بالقطار؛ ليلتقوا بسعد صباح يوم 25 ديسمبر 1921، وفي يوم 29 ديسمبر تحركت بهم السفينة الحربية “فردينان” إلي عدن التي وصلوها يوم 4 يناير 1922؛ وفي يوم 2 مارس غادر سعد زغلول ومكرم عبيد عدن في طرقهما إلي سيشيل ووصلا إليها يوم 9 مارس، وبعد وصولهما إلي سيشيل تم ترحيل باقي المجموعة من عدن ليلحقوا بهما هناك بعد عشرة أيام، وقد أقاموا جميعاً في ماهي بسيشيل، ونتيجة للضغوط المتواصلة في مصر وبريطانيا تم نقل سعد زغلول إلي جبل طارق؛ فغادر سيشيل يوم 17 أغسطس 1922 ليصل إلي جبل طارق يوم 3 سبتمبر؛ ويستمر هناك حتي مارس 1923، أما باقي المنفيين فقد استمروا في سيشيل عشرة أشهر أخري.

هذا وترجع بدايات الأزمة التي أدت إلي نفي سعد ورفاقه إلي فترة الصدام الذي وقع بين سعد زغلول وعدلي يكن عقب عودة سعد إلي مصر في ابريل 1921؛ وقد عاد سعد بناءاً علي طلب من عدلي يكن رئيس الوزراء حينذاك من أجل التنسيق للمشاركة في المفاوضات، بعد أن أمضي سعد أكثر من عامين خارج البلاد بعد منفاه الأول إلي مالطة، وكان سعد قد نٌفي لأول مرة إلي مالطة في 8 مارس سنة 1919، وفي اليوم التالي اشتعلت الثورة في مصر، وفشلت قوات الاحتلال في قمع الثورة، فصدر قرار الإفراج عنه في 7 ابريل من نفس العام، وقد توجه سعد من منفاه إلي باريس للحاق بمؤتمر الصلح، ومنها إلي لندن في يونيه 1920 بدعوة من اللورد ميلنر وزير المستعمرات البريطاني بعد فشل مهمته في مصر، وبعد أن أيقن الأخير أنه لن يصل إلي نتيجة لحل المسألة المصرية دون مشاركة من الوفد، وكان سعد في الوقت نفسه قد تأكد من فشل مساعي الوفد المصري في الوصول إلي نتيجة باستمرار وجوده في باريس فاتجه إلي لندن، وخاض مفاوضات طويلة لم تسفر عن نتيجة.

وكان سبب الصدام بين سعد وعدلي الخلاف حول شروط مشاركة الوفد المصري مع وفد الوزارة في المفاوضات مع انجلترا؛ فقد وضع سعد شروطاً تتضمن حصول مصر علي استقلالها الكامل، وإلغاء الأحكام العرفية والرقابة علي الصحف قبل بدء المفاوضات، ثم أن تكون الأغلبية العددية للوفد في فريق التفاوض، وأن تكون الرئاسة كذلك للوفد أي لسعد، وقد رفض عدلي هذا الشرط الأخير، وأدي تمسك سعد بموقفه إلي انقسام كبير في صفوف الوفد فقد كان أغلب أعضاء الوفد مع تأييد حكومة عدلي يكن، بينما اعتمد سعد علي تأييد الشعب له وعلي الأقلية التي ايدت موقفه من أعضاء هيئة الوفد، وأعلن الأعضاء الرافضون لسياسية سعد موقفهم فاعتبرهم سعد منشقين عن الوفد، ومن هذا الانشقاق في الوفد الذي التف حول عدلي يكن تشكل فيما بعد حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر سنة 1922.

أصر كل من سعد وعدلي علي موقفه، وفي يوم 19 مايو 1921 أصدر السلطان أحمد فؤاد مرسوماً بتشكيل الوفد الرسمي للمفاوضات برئاسة عدلي يكن رئيس الوزراء ضارباً عرض الحائط برأي سعد الممثل لرأي الامة، وسافر الوفد الرسمي برئاسة عدلي إلي لندن في أول يولية، واستمرت المفاوضات بين عدلي وكروزون وزير خارجية بريطانيا شهوراً، طرح خلالها الجانب البريطاني مشروعاً متراجعاً عما طرحته لجنة ملنر، فقد كان مشروع كروزون احتلالاً صريحاً خاصة فيما يتعلق بالوجود العسكري وبالتمثيل الخارجي والعلاقات الدولية، وقد استمرت المفاوضات حتي الخريف دون تحقيق تقدم، واستمر سعد في تحريض الرأي العام ضد الحكومة وضد سلطات الاحتلال وضد الوزارة البريطانية، وفي مواجهة المفاوضات دعا سعد بعثة سوان البرلمانية لزيارة مصر، كما أوفد مكرم عبيد إلي لندن للدعاية ضد إبرام اتفاق مع حكومة لا تمثل الأمة؛ ونجحت مساعي سعد وفشلت المفاوضات، ورفض عدلي باشا ووفده بالإجماع المشروع الذي قدمع كروزون في 10 نوفمبر 1921، ومن هذه النقطة يبدأ مصطفي النحاس مقدمة مذكرات النفي.

وفي مواجهة فشل المفاوضات اقترح لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني علي عدلي إيقاف المفاوضات لحين القبض علي سعد وإبعاده عن الساحة تماماً بنفيه، وقد رفض عدلي الاقتراح وحذر لويد جورج من عواقبه؛ فما كان من الحكومة البريطانية إلا أن قامت بإرسال تبليغ رسمي للسلطان في 3 ديسمبر 1921 قبل عودة عدلي بثلاثة أيام بخططها في مصر، وهي ذات الخطط التي رفضها عدلي يكن، ولم يراع هذا التبليغ رأي المستشارين الإنجليز في مصر والذي كان يؤيده إلي حد كبير اللورد اللنبي الذي كان يري ضرورة تقديم تنازلات لمصر.

وهنا تقدم عدلي يكن باستقالة حكومته، لكن الاستقالة لم تعلن حتي يتم الاستقرار علي حكومة جديدة تقبل تحمل المسئولية في هذه الظروف الدقيقة وتأخر تشكيل الحكومة لأكثر من شهرين، إلي أن تشكلت حكومة عبد الخالق ثروث علي اساس وعد بإعلان بريطاني من جانب واحد باستقلال مصر.

وفي هذه الأثناء طلب أللنبي الموافقة علي نفي سعد في إحدي المستعمرات فيما وراء البحار، وكان اقتراحه النفي  النفي لسيلان لما لها من دلالة معنوية قاسية في الذاكرة الجميعة المصرية بسبب نفي أحمد عرابي ورفاقه إليه نفياً استمر لما يقارب العشرين عاماً، ومن الواضح من المذكرات ان هذا الهاجس قد راود سعداً ورفاقه.

إذا كان السبب في نفس سعد ورفاقه للمرة الثانية فشل مفاوضات عدلي-كرزون التي اعتبر الإنجليز أن نشاط الوفد سبب فشلها؛ بينما كان السبب المباشر للنفي الدعوة التي وجهها سعد لاجتماع عام يوم 23 ديسمبر 1921؛ ومنع أللنبي للاجتماع، وتوجيه الإنذار لسعد وبعض أعضاء الوفد باعتزال العمل السياسي والتوجه إلي قراهم للعيش فيها تحت المراقبة، وقد رفض معظمهم هذا الأمر، فكان رد سلطات الاحتلال نفيهم بعيداً عن الوطن.

ماذا حدث في مصر بعد نفي سعد ورفاقه، وما أهم التطورات التي شهدتها البلاد خلال فترة نفيهم؟

كان خبر القبض علي سعد ورفاقه ونفيهم مفجراً لموجة جديدة من موجات الثورة المصرية؛ كما دفع القرار عدداً من المنشقين إلي العودة لصفوف الوفد، لكن عودة أغلبهم كانت مؤقتة ولم تستمر سوي أسابيع قليلة، وعلي الرغم من نجاح قوات الاحتلال في قمع المظاهرات وعمليات قطع السكك الحديدية التي اجتاحت البلاد، فإن المقاومة استمرت، واتخذت أسلوبين؛ الأول: أشكال الاحتجاج السلمي الأخري التي تواصلت، مثل إصدار البيانات السياسية وبرقيات الاحتجاج، كما بدأت دعوات عدم التعاون والمقاطعة لكل ما هو بريطاني تتسع، وكان الأسلوب الثاني موجه من عمليات العنف وتفجير القنابل والاغتيالات شهدتها البلد، طالت إلي جانب أماكن تواجد جنود الاحتلال عدداً من المدنيين الإنجليز وبعض الساسة المصريين الذين كان يُنظر إليهم باعتبارهم متعاونين مع قوات الاحتلال؛ وفي المقابل توالت عملية اعتقال أعضاء هيئة الوفد، وإحالة بعضهم إلي المحاكم العسكرية، وكلما اعتقلت السلطات البريطانية في مصر مجموعة من الوفديين، كان يتم تشكيل هيئة جديدة للوفد علي الفور تواصل العمل في توجيه الحركة الجماهيرية.

وخلال فترة النفي وقعت تطورات مهمة علي صعيد ما كان يعرف بالمسألة المصرية من ناحية، وعلي صعيد التطورات في السياسة المصرية الداخلية من ناحية أخري، فقد صدر تصريح 28 فبراير 1922 الذي اعترفت به بريطانيا باستقلال مصر من جانب واحد مع التحفظات الأربعة التي ظلت بها بعض الأمور الجوهرية معلقة لحين إجراء مفاوضات جديدة وتوقيع معاهدة بين البلدين، فكان الاستقلال بذلك استقلالاً منقوصاً، وتشكلت حكومة عبد الخالق ثروت علي أساس هذا الإعلان، فقد قبل ثروت العمل في ظله، بل كان هذا التصريح المخرج الذي اقترحه هو وعدلي يكن بعد أن فشلت جهود الأخير علي مدي أكثر من ستة أشهر من المفاوضات في الحصول علي معاهدة يمكن أن تقبلها الأمة، وتحول أحمد فؤاد من سلطان إلي ملك في 15 مارس 1922، وبدأت الخطوات لاستكمال أركان المملكة الجديدة، فتشكلت لجنة الثلاثين لصياغة الدستور، وهي اللجنة التي أطلق عليها الوفد اسم “لجنة الأشقياء” فقد كان الوفد يري أن الدستور ينبغي أن تضعه جمعية تأسيسية منتخبة، ووافقه في ذلك الحزب الوطني.

وعلي صعيد الأحداث الدولية ذات الصلة بمصر انعقد في شهر أكتوبر من عام 1922 مؤتمر لوزان لتسوية المسألة التركية بعد الانتصارات التي حققها الكماليون، وكان من المتوقع أن يناقش المؤتمر أوضاع البلدان التي كانت خاضعة لحكم الدولة العثمانية قبل اندلاع الحرب العالمية الاولي ومنها مصر بالطبع، ولما لم تتجه حكومة عبد الخالق ثروت للمشاركة في المؤتمر بوفد رسمي، فقد قرر الوفد المصري من ناحية والحزب الوطني من ناحية أخري في نفس اليوم تمثيل مصر في المؤتمر تمثيلاً شعبياً، وقد اتفقنا بعد وصولهما إلي أوروبا علي المشاركة بوفد واحد باسم “الوفد المصري” ووقعا وثيقة سميت “الميثاق الوطني” لكن الوفد الموحد لم يُمكن من المشاركة الفعلية في المؤتمر، وإن كان قد عقد لقاءات علي هامشه، ولم تغير نصوص معاهدة لوزان التي انتهت إليها المفاوضات في 24 يولية 1923 بين تركيا والحلفاء من الوضع القائم في مصر في شئ سوي إقرار تركيا بأنه لم تعد لها حقوق علي مصر والسودان.

وعلي صعيد التطورات السياسية في مصر، وفي شهر أكتوبر من عام 1922 أيضاً كان الإعلان عن تأسيس حزب الأحرار الدستوريين برئاسة عدلي يكن، وقد انضم إليه معظم المنشقين عن الوفد المصري إلي جانب مجموعة من مؤسسي الحزب الديموقراطي المصري الذي ظهر في خريف عام 1918، وربما يكون في هذا بعض التفسير لبدء التقارب بين الوفد المصري والفريق الذي أطلق عليه الدكتور عبد العظيم رمضان اسم “المدرسة التركية” القريبة من الملك الامر الذي مهد الطريق للتقارب بين الوفد والملك نفسه.

وفي الوقت ذاته بدأت الجفوة بين الملك ورئيس الوزراء عبد الخالق باشا ثروت بسبب الخلاف علي صياغة مواد الدستور، وكان واضحاً أن الملك فؤاد قد قرر التخلص من رئيس وزرائه القريب من الإنجليز والمدعون بقوة منهم، فدبر الملك ورجاله مؤامرة للتعدي علي ثروت في أثناء أداء الملك لصلاة الجمعة في الأزهر، وعندما علم ثروت بالمؤامرة قطع الطريق عليها بأن قدم استقالة حكومته.

وكلف الملك محمد توفيق نسيم باشا بتشكيل الوزارة، لتبدأ عملية التلاعب في نصوص الدستور، وعلي الرغم من أن نسيم كان قريباً من الوفد، وعلي الرغم مما بدا من تقارب بين الوفد والملك، فإن أعمال العنف استمرت مما أدي إلي استقالة الحكومة بعد أزمة الإنذار البريطاني في فبراير 1923.

وفشلت محاولة تشكيل حكومة برئاسة عدلي يكن بسبب عدم دعم الوفد له، فتشكلت حكومة يحيي باشا ابراهيم، وتحت ضغط الحركة الشعبية واستمرار أعمال العنف الموجهه ضد الاحتلال أصدرت الحكومة البريطانية قرارها بالإفراج عن سعد زغلول في 27 مارس 1923 وتم تنفيذه في 30 مارس، وقد توجه سعد إلي فرنسا للاستشفاء، ولم يعد إلي مصر إلا في 17 سبتمبر 1923، وفي 19 ابريل 1923 صدر مرسوم من الملك بإعلان الدستور مشوهاً، ثم قانون الانتخابات في 30 ابريل، وصدرت قرارات الإفراج عن المعتقلين خلال شهر ابريل وعن المحكوم عليهم من القضاء العسكري البريطاني من قادة الوفد في 14 مايو 1923، وقرار بعودة المنفيين في سيشيل يوم 31 مايو 1923، وقد عادوا إلي أرض الوطن في 26 يونيو 1923 واستقبلتهم الجماهير استقبالاً حافلاً، وبصدور قانون الاجتماعات العامة والمظاهرات وقانون الأحكام العرفية ثم قانون التضمينات في مايو ويونيو ويوليو 1923 علي التوالي، أصدر اللورد اللنبي أمراً بإلغاء الأحكام العرفية في 5 يولية 1923.

عماد أبو غازي،

———-

منفي الزعيم

حسين فوزي

عن كتاب (جولات في المحيط الهندي) – الهيئة العامة لقصور الثقافة 2020

بلغنا في الهزيع الأخير من الليل مجموعة جزائر سيشل، و انتظرنا انبلاج الفجر لنتمكن من اجتياز الممرات الملاحية وسط الشعاب إلي بور فيكتوريا في جزيرة “ماهي”. ولا أحسبني أنسي يوماً جمال تلك الجزائر، أقدامها في مياه المحيط وذؤاباتها مجلله بالسحب البيضاء. وهي ترفل في حلل من الخضرة الاستوائية. وكان أول خاطر عبر ذهني إذ نظرت من نافذتي المستديرة: هذا هو المنظر الذي تلقي الزعيم الشيخ، وقد حملته سفينة الغاصب من السويس في بهمة الليل، حين قابل القوة الغاشمة بقوة الحق واليقين.

عضو البعثة المصري الجالس الأول من اليمين : حسين فوزي. مصدر الصورة: موسوعة المعرفة marefa.org.

كما كان أول ما حدثني به التاجر اليماني الذي صعد إلي سفينتنا في ميناء عدن هو أنه رأي زعيمنا الشيخ المهيب عند وصوله إلي عدن، وكان ضمن من تهافتوا علي يده فقبلوها. وكان أول ما طلبت من دليلي في “ماهي” أن يأخذني إلي بيت الزعيم. فتسلقنا التلال السندسية سالكين سبيلاً غير مطروق، إلي منزل منفرد متكئ علي صدر الجبل القشيب تلقتنا ببابه أسرة محام مجوسي قدر فينا عاطفة الحجيج، فطوف بنا في أرجاء “البنجالو” الذي أعد لإقامة الزعيم الشيخ وصحبه وأشرفنا من منظرته علي ميناء فيكتوريا والبحر ترصعه الشعاب وارفة الظلال. ثم أخبرنا بأن “الباشا الكبير” لم يحتمل البقاء في هذا المرتفع فأسكن في المدينة قرب الميناء. وبقي صحبه هنا طول مدة منفاهم. ولما كان مقام الزعيم في المدينة قد تحول إلي مكاتب شركة “الإيسترن” فقد انتهيت إلي استيحاء ذكري الشيخ الذي كان محط شباب الجيل، في هذا المقام الجبلي الساحر، مادامت عيناه قد أشرقت يوماً بما يمتد إليه طرفي عصر ذلك اليوم المبارك في حياتي الجوالة.

وقفت لحظة بعيداً عن الجماعة أتأمل رواه جزيرة “ماهي” وقد طارت بي أجنحه الذكري آالاف الأميال ونيفاً وعشر سنين إلي اللحظة التي حملتني فيها قدماي حثيثاً إلي منزل بحي “الإنشا” كان هو أيضاً محج الشباب والشيوخ يوم تضافرت جميع القوي الغشوم علي أن تمنع وصولنا إليه.

كنت مدفوعاً برغبة أقوي من استبداد الحكم في أن أري الزعيم عن قرب، وأسمع صوته، وألمس يده الطاهرة.

دخلت البيت العتيد، وارتقيت سلمه الجانبي إلي حيث وقفت جماعة تنصت إلي صوت لم أسمعه من قبل. ولكني لم أشك بأنه الصوت الذي حدثني عنه صاحب سمعه قبلي، وكان صحفياً بارزاً في صف المعارضة:

-تنصت إلي خطبه كأنك تسمع سيمفونية من سيمفونيات بيتهوفن.

ولقد أدركت، وأنا شاب أنصت من خلف الجماهير دون أن أري المتكلم، أنني أعيش لحظة من تاريخ بلادي سوف أحدث بها أبنائي وأحفادي وهم لا يكادون يصدقون أنني عشت تلك اللحظة.

ولم أفهم أو أحاول أن أفهم ما يقول، وإنما أنصت كما أنصت إلي ترتيب لا تهمني كلماته، او إلي موسيقي الفيولونسيل تصحبها موسيقي أوركسترا كامل لا دخل فيه للصوت الآدمي. ثم استطعت ان أتسلل حتي أبلغ الصف الأول فأري الزعيم، وأحقق علي وجهه المعاني المتدافعة التي ابعثتها في نفوسنا مواقفه المجيدة. رأيت الشيبة الباهرة، والوجه المحمر، والعيون المغولية تبرق ذكاء وهمة من تحت الحواجب المشتعلة بياضاً، ورأيت قبضة اليد القوية تدق علي خشب المكتب كما سمعت بها ضمن ما سمعت عن حياة هذا العماد الصلب قد من صوان مصر. ولمست هذه اليد مصافحاً وقد أودعت لمستي كل معاني الحماس والحب والإعجاب، يحتويها قلب ابن عشرين.

وكان رفقائي في سيشل منشغلين بتصوير المنزل والتحدث إلي أصحابه عن إقامة المنفيين فيه. ولكني بين جمال تلك الطبيعة الكريمة وسط المحيط الهندي، وبين مواكب الذكري نسيب وجودي في سيشل. وجعلت أتابع الزعيم من مصر إلي مالطة، إلي فرنسا، إلي مصر. ثم إلي سيشل وعدن وجبل طارق ثم إلي مصر مرة أخري.

رأيته في موكبه الظافر يوم عودته الاولي بعد منفي مالطة وجهاد فرساي، حيث اجتمع لصوص الامم الضعيفة.

ورأيته يخطب العمال البريطانيين في شيرد، فينادي الحرية التي تكون في بابل وتنتقل إلي مصر ويونان وروما، ويتمثل بقول “هردر” فيها.

ورأيته يخطب بعد عودته من سيشل فيحدثنا حديث الأب البار عن منفاه في المحيط الهندي. ويذكر رفاقه واحداً واحداً فتترقرق في عينيه عبرات.

رأيته في عربة مزركشة يذهب إلي افتتاح البرلمان الأول ورأيتني علي شاطئ عابس في طرف فرنسا الشمالي الغربي أطالع خبر وفاته، فأمسك بيد صديق لي هو مواطني الوحيد بذلك الصقيع الموحش، وكأني وجدت في قربه العزاء الوحيد في محنتنا الوطنية الكبري.

رأيته.. ورأيته.. ورأيته. وكان خياله المهيب ماثلاً أمامي في كل خطوة خطوتها علي ظهر هذه الجزيرة الفتانة. وما سألت عن جوها ومناخها حتي تساءلت في نفسي “تري كيف تحملت بنيه الشيخ العظيم هذا المناخ الاستوائي!” وحين عرفت بأن الملاريا لا وجود لها في سيشل، شكرت العناية التي حفظت حياته الغالية، مع أنه كان قد طوي في ترابه حينئذ سبع سنين.

وإذ التقيت ببعض أمراء “الحج” يتريضون في شوارع “ماهي” وارفة الظلال، وعرفت بأنهم منفيون، ذكرت أن خطوات زعيمي قد سبقت خطواتهم في هذا الطريق المظلل. وأن لكل من تلقي به آراؤه الحرة علي ظهر هذه الصخرة النائية أن يفخر باتصال مجده بمجد الزعيم الخالد، الذي عاني ما عاني في سبيل تحرير بلاده، لا في عنفوان شبابه، وإنما في انحدار شيخوخته، حين يطلب الأبناء لآبائهم الحياة الوادعة ويحتملون عنهم الكريهة والهوان.

هذه “ماهي” عاصمة جزائر سيشل، منفي الزعيم الذي لم يقهر، موطئ أقدام الحرية التي لا تغلب، واد مقدس قدر لي أن أحج إليه في سفينة مصرية يرفرف عليها العلم الأخضر ذو الهلال المثلث النجوم.

حسين فوزي،

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *