المعطف – نيكولاي جوجول
“كلنا خرجنا من معطف جوجول”- جملة ديستوفيسكي التي خلدت قصة “المعطف” لنيكولاي جوجول، والتي أصبحت أكثر شهرة من القصة.
ولكن ماذا عن القصة نفسها المنشورة عام 1842 (محمد علي)، هل لازالت صالحة للقراءة في القرن الواحد والعشرين؟
إنها لا تذكر إلي الآن في أي مكان إلا بالحفاء والتقريظ، فهل اجتازت نهر الزمن (180 عام) بسلام؟ وهل يطمئن لها القلب ويرضي لها الضمير إذا ما نظرنا إليها الآن بعين الحياة المتجددة؟
في مقالة عنوانها “الذوق الأدبي” يتحدث طه حسين عن الذائقة كظاهرة اجتماعية، وعن الاختلاف بين الذائقة الجماعية والذائقة الخاصة. حسن، لقد شكلت “روح” قصة المعطف الذائقة الأدبية الجماعية في مصر طيلة القرن العشرين، وأصبح الاحتفال بنبالة الفقر هو مقياس الجمال الأدبي، وتقديس الرجل الفقير غير الساعي إلي التطور هو الواجب العملي للخطاب الرسمي للدولة مصطحباً معه كافة التيارات الآخري، كلها أجمعت علي الشئ نفسه: شد اليد بقوة علي يد المواطن الصالح رجل الشارع.
وإذا نظرنا إلي أكاكي أكاكيفيتش بطل قصة “المعطف”، فهو رجل شارع ممتاز، لا شئ هناك سوي الوظائف العضوية لجسده الضامر، لا قدرات عقلية من أي نوع، ولا رغبة من أي صنف، ولا آمال من أي شكل، إنه الرجل الذي تريد الدولة صوته في الأنتخابات، وأعضاءه عند الممات، ولا مانع لديها أن يُضرب بالحذاء مقابل ذلك طيلة حياته. إنه رجل ضئيل ضئيل. إنه الرجل المقصود في افتتاحية نايبول في روايته المعروفة “ثنية في النهر” : الحياة هي الحياة. الرجال الذين لا يساوون شيئاً. الذين يتركون أنفسهم ليصبحوا لا شئ، ليس لهم مكان فيها.
وبالتالي فأن اكاكي البائس ترك نفسه حتي أصبح لا يساوي شئ، وقد ذهبت القراءات العربية جميعاً إلي تمجيد ذلك، شاكرين حامدين تلك الطاقة التي سرت في جسد أكاكي لدي ارتداءه للمعطف الجديد، ناسيين أن تلك الطاقة هي طاقة المصادفة ليست طاقة السعي والجد والعمل والأنشغال.
لم يسع أكاكي إلي تحسين مظهره بالمعطف الجديد، وإنما أجبره علي ذلك عدو شرير يتربص بالفقراء هو شتاء سانت بطرسبرج، وهذه هي الفقرة الوجيدة التي أثارتني في القصة، فقرة وصف دخول شتاء سانت بطرسبرج إلي مسرح الأحداث كعدو كامن متربص، إنه عصف الطبيعة الطاغي، الأم الكبري.
لكن أكاكي الحزين، المستسلم، ليس لديه ما يثير الإلهام أو التطلع، أو دوافع تكوين الإرتباط.
إن الشاب الآن الذي يقرأ قصة المعطف فيشعر بالعطف والإشفاق حيناً، ويشعر بشئ من ذلك “الجمال الفني الخالد” الذي تكلم عنه طه حسين أيضاً بذات المقالة سالفة الذكر، ذلك الجمال الذي وفق جوجول في نقله وتصويره بالكلمات وتدفق الصور السردية، لا يلبث أن يغلق القصة ويلتفت إلي حياته وإلي جهاده وإلي مستقبله. فهو إذن ينسي كل شئ عن أكاكي وعن حياته التعسة، ولا لوم عليه في ذلك، فهو لا يريد أن يتعلق بما يعطله مهما كان جميلاً، وكما قال باد فوكس في فيلم وول ستريت 1987: لم تعد هناك نبالة في الفقر الآن.