طه حسين: من المحتمل أن مصر كان يمكنها بدون الغزو العثماني أن تشارك في النهضة الأوروبية الثانية. [خطاب موجه إلي وزير تركي]

هذا الاستخراج من كتاب “طه حسين -الأوراق المجهولة- مخطوطات طه حسين الفرنسية”- الصادر عن المركز القومي للترجمة في مصر، وهو من تحقيق وترجمة: عبد الرشيد محمودي.

وتعد الرؤية الصادرة عن الأستاذ طه حسين في رده علي الوزير التركي من المباحث الهامة لهذه المدونة. هل فعلاً أن نهضة علمية وأدبية وفنية قد قامت في مصر في القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر؟ وما هي ملامحها ومنجزاتها؟

كما يجدر الأهتمام هنا بالنظرية القياسية التي يطرحها طه حسين في رده، كيف أن مصر لا تحقق حياة العقل إلا بأستقلال الحكم، وهو أمر مثير لأنه يقول أنه لا يهم إن كان هذا الحكم مصرياً أم أجنبياً.

محرر المدونة.

———-

مقدمة الأستاذ عبد الرشيد محمودي

يجد القاري في مقالة "رد طه حسين علي وزير تركي" نص رسالة كتبها طه حسين بالفرنسية رداً علي رسالة تلقاها من وزير تركي من المفوضية التركية في القاهرة ولم نستطع تبين اسمه من توقيعه. وتتعلق رسالة الوزير التركي بآراء كان طه حسين قد نشرها في تلك الفترة (سنة 1945) عن حكم الأتراك العثمانيين لمصر. وقد كتبت رسالة طه حسين بخط اليد وهي تحمل كثيراً من التصويبات. ومن الواضح أن آراء طه حسين عن الحكم العثماني في مصر لم ترق للمسؤؤل التركي وحاول تفنيدها في رسالته، وإن حرص في ذلك علي الالتزام باللياقة الدبلوماسية والأدب الجم. فهو يغلف انتقاداته لآراء طه حسين بغلالة من التقدير والاحترام. ومن الملاحظ أيضاً أن كاتب الرسالة بالإضافة إلي حصافته يدعم آراءه بمعلومات تاريخية واسعة النطاق لأنه يعلم انه يناقش طه حسين المؤرخ. ولكن هذا الأخير لا تنطلي عليه تلك الحيل ولا يشتت انتباهه توسيع نطاق النقاش وتعدد الأمثلة، بل يعيد تركيز الحديث علي المحور المحدد الذي يعنيه، وهو فترة الحكم العثماني لمصر. وهو في هذا النطاق يضع تفرقة حاسمة بين نوعين من الحكم شهدتهما مصر عبر التاريخ: حكم تتمتع في ظله بالاستقلال والازدهار حتي ولو كان الحاكم في الأصل أجنبياً مثل البطالمة والفاطميين وسلاطين المماليك ومحمد علي (الألباني)، وحكم تفقد مصر في ظله استقلالها ولا تنتج شيئاً ذا بال لأنها تستنفد طاقتها في مقاومة الحكم الذي لا يمثلها، حتي ولو كان حكماً إسلامياً مثل خلافة بغداد أو حكم بني عثمان.

ومعيار التفرقة في نظر طه حسين هو إلي حد يحرص الحكم المعني علي استقلال مصر ويسهر علي مصالحها ويحمي أمنها القومي ويبسط نفوذها في العالم. ومن الجدير بالنظر في هذا السياق تمجيد طه حسين للسلاطين المماليك وازدهار مصر في ظل حكمهم. والمماليك الذين يعنيهم هم المماليك الأوائل مثل الظاهر بيبرس والملك الأشرف قلاوون وقنصوة الغوري، وليسوا المماليك المتأخرين الذين أخضعتهم الخلافة العثمانية وجعلتهم ولاة علي مصر وأشركتهم في استنفاد مواردها إلي أن قضي عليهم محمد علي. يقول طه حسين في إحدي كتاباته الفرنسية عن تدهور المماليك وانحطاطهم في ظل الحكم التركي: "وخلال ثلاث قرون خضعت مصر لطغيان السلاطين الترك ولطغيان الولاة المماليك علي حد سواء، وذلك أن المماليك –وقد عز عليهم أن يتقبوا فقدان ملكهم- كانوا يقاومون الأتراك بقدر استطاعتهم وأصبحوا بمرور الزمن لا يمثلون إلا الفوضي. وكان المهم بالنسبة لهم أن يقاوموا الأتراك وأن يوقعوا الضرر بهم وأن يحولوا بينهم وبين الحكم الهادئ الذي كانوا يحلمون به. بيد أن المماليك قد انتهوا بفضل المقاومة علي هذا النحو الفوضوي إلي إسخاط الأتراك والمصريين المساكين في آن واحد. وفي تلك الفترة انقطعت كل العلاقات الخصيبة بين مصر والعالم الخارجي، وفرضت العزلة علي مصر، وسقطت في وهدة الجهل الأعظم.."(1)

(1) انظر مقالة "فرنسا ومصر" في كتاب طه حسين، من الشاطئ الآخر، (القاهرة -2008) ص 169-ص 171 (م).

———-

رد الدكتور طه حسين

السيد الوزير،

تلقيت منذ بضعة أيام الخطاب الذي تفضلت سعادتكم بكتابته لي فيما يتعلق بتصريح كنت قد أدليت به لمجلة جديدة وترجمته جريدة La Borse.

اسمحوا لي أولاً بأن أشكر سعادتكم بكل إخلاص علي الكلمات الطيبة التي توجهونها إليّ وعلي حسن رأيكم فيّ.

ولتطمئن سعادتكم: فإني عندما أدليت بتصريحي لم أرد التقليل من شأن أحد أو أن أجامل أحداً. ولم يدفعني إلي قول ما قلت إلا الحرص علي الحقيقة التاريخية.

وليس لدي ما يكفي من الكفاءة ما يؤهلني لمناقشة وضع البلدان التي تذكرونها سعادتكم في آسيا وفي أفريقيا وفي أوروبا، ولكني أعلم أنني فيما يتعلق بمصر قلت  الحقيقة الصادقة. فقبل الغزو العثماني كان بلدنا يتمتع باستقلال تام سمح له بإقامة علاقات دبلوماسية، واقتصادية، بل وعلمية مع أوروبا المتوسطية. وكانت حضارة بلدنا مزدهرة، وتولت القاهرة في العالم الإسلامي دور الإسكندرية في العالم الهلنستي، وكانت جامعة الأزهر لدينا والمدارس التي أنشأها السلاطين المماليك في كل مكان تقريباً تلعب دوراً يشبه إلي حد كبير دور متحف البطالمة. والغريب في الأمر أن نهضة علمية وأدبية وفنية في مصر خلال القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر كانت موافقة للنهضة الأوروبية الأولي. و من المحتمل تماماً أن مصر كان يمكنها بدون الغزو العثماني أن تشارك في النهضة الأوروبية الثانية في العصر الحديث.

وإذا طلبتم سعادتكم إلي تقديم أدلة علي ذلك، فإني أرجوكم أن تنظروا إلي آثار القاهرة لتلك الفترة وأن تروا أن مصر في تلك الفترة علي وجه التحديد أعطت العالم الإسلامي مصنفاتها الأنسيكلوبيدية الرائعة التي استطاعت، بجمعها حصيلة المعرفة الإنسانية في هذا الفرع أو ذاك من فروع الحياة الفكرية، أن تصون تراث الحضارة العربية.

ويكفيني أن أذكر القلقشندي والنويري والعمري والمقريزي لكي أثبت أن مصر في ظل السلاطين المماليك صانت ونقلت إلي أجيال المسلمين خلاصة ما أنتجه العقل الإسلامي خلال سبعة أو ثمانية قرون من التاريخ.

يضاف إلي ذلك أن هناك ظاهرة ثابتة في تاريخ مصر، وهي أن من المستحيل بالنسبة لها أن تنتج شيئاً مهما في حياة العقل إذا لم تتمتع باستقلال فعلي بدرجة أو بأخري.

وهي عندما تخضع لسيطرة أجنبية تصاب الإنهاك في كفاحها من أجل الحرية. وهو كفاح يستنفد طاقتها بصفة تامة تقريباً.

فهي في ظل السيطرة الفارسية وفي ظل السيطرة الرومانية لم تعط أي شئ مهم تقريباً. أما عصر البطالمة فكان فترة من الخصوبة المثيرة للدهشة. فمصر تحت حكم البطالمة كانت حرة، كان لديها ملوكها، وعاصمتها، وجيوشها البرية والبحرية. وهناك نفس الظاهرة في العصر الإسلامي، ففي ظل خلافة المدينة ودمشق وبغداد كانت الحياة الفكرية المصرية متدنية تقريباً، ولكنها ما إن استعادت قدراً من استقلالها مع مجئ الطولونيين والإخشيديين حتي بدأت تصبح عاملاً أساسياً في حياة العقل الإسلامي. وأخذت مصر مع وصول الفاطميين والأيوبيين والمماليك تستعيد استقلالها الكامل وتبسط سيطرتها خارج حدودها، وأصبحت القاهرة علي الفور منافساً شديد الخطر لبغداد في الشرق وقرطبة في الغرب. وعندما وقعت بغداد تحت ضربات المغول ووقعت قرطبة تحت ضربات مسيحيي إسبانيا، بقيت القاهرة وحدها هي العاصمة الفكرية للعالم الإسلامي.

ثم يصل الأتراك العثمانيون فتنحدر مصر إلي مرتبة إقليم في الإمبراطورية التركية كما كانت إقليماً في الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الرومانية. وترتد من ثم إلي حالة التدني.

ومع مجئ القرن التاسع عشر تستعيد مصر شيئاً فشيئاً استقلالها وتسترجع في نفس الوقت شيئاً فشيئاً حياة عقلية نشطة.

وهكذا ترون سعادتكم أنني عندما أدليت بتصريحي لم أفعل شيئاً سوي أنني لاحظت ظاهرة ثابتة في تاريخ أمتنا ولا شئ غير ذلك.

وعلاوة علي ذلك ألا تعتقدون سعادتكم ان من المستحسن دراسة التاريخ بروح موضوعية بقدر الإمكان ؟

فذلك مما يرضي العقل والقلب في آن واحد، إذ يعطي أحدهما متعة تأمل الحقيقة ويخلص الآخر من كثير من الأفكار المسبقة التي تصيب بني الإنسان بالشر أكثر مما تقدم لهم من الخير.

وأنا إذ أكرر شكري أرجوكم أن تتقلبوا… فائق احترامي.

طه حسين

———-

رسالة الوزير التركي

رسالة من وزير تركي إلي طه حسين

المفوضية التركية

القاهرة

القاهرة، الخامس من مايو 1945

يا صاحب السعادة،

نشرت جريدة La Bourse Egyptienne في 3 مايو مقتطفات من تصريحات أدليتم بها إلي مراسل لمجلة صدرت مؤخراً. وهي تتسلم كما هي العادة دائماً بسمو الفكر وعمق النظر اللذين يميزان جميع تصريحاتكم. ولن أخاطر بالإعراب عن وجهة نظري في موضوع يتجاوز كفاءتي، ولكني أود أن تتكرم سعادتكم بتوضيح لغز يشغل فكري.

تقولون سعادتكم “إن مصر بقيت مستقلة، وإنها أقامت مع العالم الخارجي صلات مزدهرة إلي أن أنهي الأتراك العثمانيون استقلالها فحصروها في نطاق العزلة القاتلة.” وهو ما يعني بقيناً باللغة العادية أن مصر ألقي بها في عزلة أفضت إلي انحطاط روحي وخلقي بسبب الغزو التركي الذي قضي علي كل مظاهر الفكر وعلي مسيرة التقدم المادي.

أرجو أن تكونوا علي ثقة من أنه ليس في نواياي علي الإطلاق أن أناقش هذا القول الذي أصبح شعاراً منتشراً في جميع البلدان التي كونت فيما مضي جماع الإمبراطورية العثمانية. فتركيا هي التي يقول المفكرون الشرقيون المتشبعون بالروح المشرقية عرقلت بإدراتها السيئة وعيوبها الأخري خطي الحضارة في هذه الدول، وحالت دون ازدهار الفكر، مصدر كل نشاط بشري. وأنتم سعادتكم تسمعون هذا الترجيع في اليونان كما تسمعونه في بلغاريا ورومانيا ويوغوسلافيا، بل وفي المجر حيث لا يجد أساتذة الفكر أي عذر آخر يفسرون به الضعف الظاهر في المجال الروحي والاخلاقي الذي يلاحظونه في بلد كل منهم.

والعزلة القاتلة في حالة البلدان الإسلامية التي تتحدثون عنها سعادتكم ينبغي ألا تعزي إلي القرن السادس عشر. فقد بلغت هذه العزلة أوجها بداية من القرن الثالث عشر عقب الحروب الصليبية، وغزوات المغول، والاضطرابات الداخلية التي دمرت الشرق الأوسط. وقد وقع العالم العربي في هذه العزلة القاتلة إذن بسبب عوامل أخري لا بسبب الأتراك العثمانيين كما يحلو لسعادتكم أن تقولوا. ومن المؤكد أنه ليس بوسع أحد أن يجهل ما قدمه العرب والشعوب المعربة من مساهمة رائعة في حضارة تلك الفترة البطولية. ولكن من شأن التدهور أن يعقب الذروة- وإلا لما كان ذلك عملية عادية- وقد بدأ هذا الانحطاط يتجلي لا في المجال الحربي فقط ولكن في مجال الفنون والفكر أيضاً. ولذلك فبينما أدي تجدد آداب القدماء ومعارفهم المعمقة في الغرب في القرن الخامس عشر إلي حركة النهضة، فإن الشرق الأوسط كان يوجد في تلك الفترة في غمرة الفوضي الكاملة من الناحية الحربية والروحية. وكانت العزلة القاتلة كاملة قبل أن تبسط تركيا غزوها علي البلدان العربية. وحتي إذا سلمنا (علي سبيل الجدل) بأن تركيا قمعت في مصر كل مظاهر الفكر، فكيف يمكن عندئذ تفسير التدهور الفكري الذي أصاب بلداناً إسلامية أخري مثل إيران، وأفغانستان، وجزر الهند الشرقية المسلمة، وتونس، والجزائر، وهي بلدان لم تطأ أرضها قط قدما جندي أو موظف تركي (؟) وإذا كان الأتراك اضطهدوا التعليم والتربية، فلماذا لم يزدهر الفن والعلم والمعرفة في بقية العالم الإسلامي(؟) وماذا عسي أن يقال عن المغرب الذي لم يكتشف الفرنسيون فيه في سنة 1912 سوي كائنات بدائية جاهلة وشبه متوحشة، هذه الكائنات التي حكم أجدادها القدماء شبه الجزيرة الإيبريه علي نحو باهر لعدة قرون (؟) فلم تكن الإدارة التركية يا صاحب السعادة هي التي أوقعت هذه البلاد في حالة البؤس والجهل والخراب التي نعرفها وأعتقد أن السير البطئ الذي نلاحظه في الشرق وفي العالم الإسلامي بصفة عامة يجب أن يفسر بظاهرة ذات طابع عام. وإن عقلاً مرموقاً مثل عقلكم لقادر علي اكتشاف العلة والتعبير عنها بكل صراحة.

ولقد سمحت لنفسي بأن أوجه إليكم هذه السطور لكي أؤكد لكم أولاً احترامي العميق الذي أشعر به نحو شخصكم ولأخبر سعادتكم ثانياً أنني أود أن أري في حججكم النقدية ورسائلكم الفلسفية حقائق ترتفع عن المستوي العادي وتظل خالية من كل تعصب بال عتيق.

وأرجو يا صاحب السعادة أن تتقبلوا فائق احترامي وخالص مودتي.

التوقيع
الإسم غير واضح

تصوير لمسودة خطاب طه حسين الأصلية باللغة الفرنسية، عن كتاب (طه حسين-الأوراق المجهولة-مخطوطات طه حسين الفرنسية) للأستاذ عبد الرشيد محمودي.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *