عن (حافظ وشوقي) لطه حسين

س : أين تضع طه حسين ؟

ج : أضعه علي القمة. قمة النقد الأدبي، وقمة النقد الثقافي، وقمة المثال الأعلي في إعمال العقل وقوة العزيمة وركازة القلب.

س : وهل قرأت كل كتبه ؟

ج : لا يفوت عام. ولا يكتمل العام عاماً دون أن اقرأ كتاباً واحداً علي الأقل لطه حسين. ومحفظته الأدبية من التنوع بحيث تضمن أنواعاً مختلفة من المتعة في كل عام. فمن كتبه التي تأخذ منها العناية بالدرس الأدبي. ومنها ما تأخذ منها المتعة القصصية الخالصة. ومنها المتعة التاريخية المعرفية العربية. ومنها ما هو خاص بالمتعة التاريخية المعرفية الأوروبية. ومنها متعة المقال الصحفي الدسم الرشيق. ومنها متعة النقد الفني الرفيع. إن الواجب العقلي علي كل إنسان عربي هو الإلمام بإنتاج طه حسين إلماماً تاماً. واجب يدين به إلي نفسه وإلي المجتمع العربي.

س : وهذا العام ماذا قرأت له ؟

ج : قرات له (حافظ وشوقي)، وهو درة طه حسين في النقد الأدبي، أرأيت أن طه حسين متنوع الأدوار فهو روائي في دعاء الكروان وشجرة البؤس وأديب. وهو مقدم وشارح أدبي في حديث الأربعاء و أبي العلاء. وهو مؤرخ في مع المتنبي والشيخان والفتنة الكبري. وهو باحث أدبي في الأدب الجاهلي. وهو ناقد ثقافي في مستقبل الثقافة في مصر. وأما حافظ وشوقي فهي الدرس الذي نريد للناس أن ينظروا إليه وأن يتعلموا منه كيف أقام طه حسين حافظ ابراهيم وأحمد شوقي امام النقد الأدبي وكيف عاملهما بإنصاف لا يخلو من الحزم وباحترام لا يخلو من الصراحة.

س : أفهم من توكيدك علي الحزم وعلي الصراحة أنه لم يكن معجباً بهما ؟

ج : بالطبع لم يكن معجباً بهما. إن سقف طه حسين العظيم لم يكد يمر منه أحد. وهذه من الدروس التي نريد أن يتخذها النقاد في النقد، فنحن نري اليوم الناس يكادون يعجبون بكل شئ دون أن يعرفوا لماذا يعجبهم. وربما لا يتخيل أحد ان ينقد شيئاً كتبه صديق أو قريب، وربما يتخيل أن من الواجب الأجتماعي أن يرحب ويثني ويمدح ويروج للعمل الفني، ونحن نري طه حسين وهو ينقد حافظ وشوقي في صراحة وقوة ووضوح وهما صديقاه وقريباه وبينهم المعارف والصلات. وربما يعجب المرء اليوم بكل شئ فعلاً فيري كل المنتجات الفنية جميلة ورائعة دون اختلاف في الدرجات والطبقات. نحن نري في الكتاب كيف فصل طه حسين معايير القياس والنقد الأدبي في مقاليه (المثل الأعلي) و (الذائقة الأدبية).

س : ولكن أليس نقد طه حسين يؤخذ منه ويرد؟ أعني اننا لن نلغي حافظ وشوقي، وهما من هما، لأن طه حسين نقدهما ؟

ج : لا نتحدث عن الإلغاء وإنما نتحدث عن قياس المكانة. فطه حين نقد ترجمة البؤساء لحافظ هذا لأنه كان أعلم بالبؤساء وبفيكتور هوجو من حافظ، وحين نقد مدح شوقي لترجمة أحمد لطفي السيد لأرسطو، وبيّن خلط شوقي بين أرسطو و أفلاطون، فلأنه كان أعلم بالفلسفة اليونانية من شوقي.

وحين أراد أن يقيمهما مقامهما العادل في سيرة الشعر العربي، نراه قد بدأ من (نجد) في الجزيرة العربية حيث بدأ تاريخ الشعر، ثم استعرض هذا كيف ارتحل هذا الشعر مع الحضارة حتي وصل إلي محمود سامي البارودي في مصر، باعث نهضة الشعر، ثم تبعه بالركنين حافظ وشوقي.

وهكذا تري في الناقد سمات الإلمام والإحاطة الكلية والرؤية الكونية.

ولعل ما نشير إليه اليوم من موقف القارئ الناقد من العمل الفني يعود إلي عدم زيادة ما لدي هذا القارئ عن ما لدي كاتبه، ذلك مهما بلغ تدبي المحصول المعرفي والثقافي لدي الكاتب. ونحن نري في الكتاب كيف لام طه حسين أكثر ما لام علي الشاعرين المصريين في نقص ثقافتهما. وبين كيف استسلم حافظ للدعة والراحة في الوظيفة الحكومية، وكيف استكسل شوقي عن الأستفادة من بيئته الخصبة ومعرفته باللغات الأجنبية. تخلي الشاعرين عن فرصة الترقي، و رضيا بما كان في الإمكان. وهذا ما لم يرض عنه الناقد لأنه لم يرض قلبه ولم يشبع توقه إلي الأدب المترف الرفيع.

س : وماذا أراد طه حسين من الشاعرين ؟

لقد نفذ طه حسين إلي أعماقهما. فرأي في عقل حافظ عقلاً فقيراً، لم ينفذ إلي طبائع الأشياء، ولم يصل إلي أسرارها فعجز عن إجادة الموضوعات.

كما أنه لم يستفد من معرفته بالفرنسية، ولذلك هو غير مدين بأوروبا بشئ من أدبه، وهو أيضاً لم يحسن علوم العرب ولا فلسفتهم، وكانت كل ثقافته من كتاب الأغاني.

وأما شوقي فقد شعر له بالحزن والأسي أن طبيعته البارعة لم توجه إلي فهم الآيات الأدبية الخالدة في الآداب الأجنبية رغم إحاطة شوقي بالفرنسية والتركية. ورغم معرفة شوقي بالشعر الفرنسي القديم، إلا انه لم يكن يطلع علي الجديد والمتجدد كما أنه لم يعرف الشعر التمثيلي اليوناني، وأخفق في إنشاء مثل هذا الفن العظيم في اللغة العربية. وهكذا تري ما أراد لهما طه حسين بعكس كل ما سبق إلي مقلوبه.

س : لقد شعرت بالأسف الشديد علي الشاعرين منه . ألم ينتصر لهما في شئ ؟

ج : قال فيهما : “أعظم المحدثين حظاً في إقامة مجدنا الحديث” . وقال الكثير عن تصوير حافظ لنفس الشعب والآمه وآماله. كما قال الكثير عن بصيرة شوقي وعن غناءه.

أقول لك انه لا يوجد مدح مطلق لدي طه حسين. كما لا يوجد ذم مطلق. وإنما هو إنزال الأشياء منازلها الصحيحة، وإقامة المحكمة الأدبية إقامة عادلة.

س : وكيف يفهم طه حسين الشعر وهو ليس – بحسب ما أعرف- شاعراً ؟

ج : كتب طه حسين الشعر وإن يكن اغلبه غير معروف الآن. ويركز طه حسين في قراءته وفهمه واستساغته للشعر أكثر ما يركز علي المعاني. وهي قراءة كما تري غير شائعة، فالمعروف في الشعر فن الألفاظ والإلقاع والنغم. واما طه حسين فيبحث أولاً عن المعني. ولديك كتابه المرتكز حديث الأربعاء الذي يقرأ فيه الشعر الجاهلي ويفسره وهو يكاد لا يورد فيه أبيات الشعر نفسها، فهو يغوص في المعاني التي ذهب إليها الشاعر ويفسرها ويستخلص منها المتعة الفنية، او لا يجدها وهو بهذا الأسلوب يكاد أن يحول الشعر نثراً، ويحاسب الشعراء كما يحاسب الناثرين.

وحين اضطرته ظروف الكتاب أن يضع تعريفه الخاص للشعر قال: “المثل الأعلي للشعر هو الكلام الموسيقي الذي يحقق الجمال الخالد في شكل يلائم ذوق العصر الذي قيل فيه، ويتصل بنفوس الناس الذين ينشد بينهم، ويمكنهم من أن يذوقوا هذا الجمال حقاً، فيأخذوا بنصيبهم النفسي من الخلود”.

س : رأيت في هذه الاجوبة مدي حرصك علي الفوز، ومعلوم شدة حرص طه حسين ايضاً علي الفوز، لذا فلا مفر إذن من الإقرار بفوز طه حسين علي حافظ وشوقي.

 ج : إن فوز طه حسين في هذا الكتاب ليس فوزاً لطه حسين وإنما فوزاً للمثل الأعلي. لأنه وضع للأشياء في نصابها. ونحن ندعو القراء في المدونة إلي الأمثلة الأدبية العليا وإلي أكثر ما دعي إليه طه حسين دقة وتعبيراً في كل كتبه : “التأنق في الثقافة والتماس الترف في الأدب”، لن تجد مثل هذه الجملة ومثل هذا الاتجاه في الفكر لدي أحد من كتاب العربية الآخرين. ربما وجدت لمحة منه لدي توفيق الحكيم. لكن طه حسين هو الوحيد الذي يشير وينحي نحواً قوياً واضحاً نحو الرفعة الأسلوبية. وأنت تعلم. ويعلم قارئ المدونة المخلص كم نحن مشغولون بالأسلوبية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *