السلاسل الأدبية : منظور جغرافي مغامراتي
عرف الأدب العديد من المحاولات لصناعة سلسلة أدبية من المغامرات المتصلة، اعتمدت كلها بشكل كبير علي بطل كإنسان فائق، مثل هيركيول بوارو، شيرلوك هولمز، أدهم صبري، جول ميجريه، هاري بوتر، جاك ريتشر، آرسين لوبين، وحتي طرزان. يعتمد العصب الرئيسي للسلسلة علي شخصية البطل الذي يُنتظر منه في كل عدد جديد أن يقوم بالفعل الرئيسي الذي سيقلب الأحداث.
قلة قليلة جداً فقط هي السلاسل الأدبية التي حاولت بناء شئ مغاير. تلك التي تحمل سمات مشروع طويل بطئ حيث الطبيعة، الجغرافيا، الأرض، هي البطل الحاكم من فوق الشخصيات الإنسانية للسلسلة.
سلاسل ذات طبيعة استكشافية قوية بالمعني الجغرافي لا بالمعني الإنساني. مغامراتية، بأفق عريض ورؤية كونية. يكون فيها الإنسان ليس أكبر من عنصر من عناصر الطبيعة.
من هذا المنظور تجلت سلسلة جول فيرن (رحلات غير عادية voyages extraordinary)، (1863-1905( مثل القمر المضئ، إنها تكاد تكون أعظم منتجات أدب المغامرات من هذه الزاوية.
صال وجال قلم جول فيرن فيها عبر خريطة الأرض، قاطعاً كل الدروب يمنة ويساراً، وشمالاً وجنوباً، علي اليابسة وفي السماء وتحت المحيط، بين القطبين وعبر أضيق المعابر الحدودية والممرات البحرية وأبعد الجزر والشواطئ المجهولة. إنه يكاد لم يترك بقعة من الخريطة لم يرو قصة فيها.
عن السلسلة، يقول بيير-جولز هاتزل، ناشر جول فيرن ومحرره، أنها تهدف إلي الإحاطة بكل المعرفة الجغرافية التي لدي الإنسان!
من النماذج البارزة جداً في السلسلة هي محاولاته لقطع الخريطة طولاً وعرضاً، ففي (حول العالم في 80 يوم) ينفذ أبطال الرحلة عبر فصول الرواية مخططاً جنونياً لقطع الخريطة أفقياً، بدءاً من لندن، عبر أوروبا بالقطار، ثم عبر المتوسط بالمركب، تبديل المركب وعبور قناة السويس إلي باب المندب، ومنه خروجاً إلي المياه المفتوحة حتي بومباي، ثم عبر الهند بالقطار، وبالأفيال إلي كالكتا، ثم عبر البحار إلي هونج كونج ويوكوهاما في اليابان، ثم عبر المحيط الهادئ إلي سان فرانسيسكو، ومن الساحل الغربي بالقطار عبر القارة الأمريكية إلي الساحل الشرقي (نيويورك)، ثم أخيراً بالمركب عبر الأطلسي عائدين إلي لندن.
هذه الرحلة العظيمة، التي خلدتها السينما والنقاش الشعبي حولها، كتبت في إطار قصصي مغامراتي ملئ بالإثارة، التشويق والكوميديا، أصبحت كلاسيكية وواجهة سلسلة جول فيرن كلها، إلا أنها لم تكن محاولته الوحيدة لقطع الأرض في رحلات غريبة، فهناك رحلات أخري أقل شهرة في رواياته، مثل رحلة عائلة فرنسية -دائماً هناك شخصيات فرنسية في رواياته حتي ولو ثانوية- من أمريكا إلي فرنسا باستخدام اليابسة فقط لعدم تحصلهم علي سعر تذكرة المركب. وعدة روايات أخري عن رحلات داخل أفريقا منهم رحلة من الساحل الشرقي للقارة إلي باطنها عبر السودان والكونغو وصولاً إلي الساحل الغربي في السنغال. تعد هذه الروايات الأفريقية فتوحات جغرافية في وقت لم تعرف فيه الرويات الاوروبية مسارح أحداث مماثلة.
في تلك الرحلات تظهر معالم تاريخية وجغرافية وإثنوغرافية، مثل مدينة السويس، زنزبار، نهر النيل، قبائل الطوارق، بحيرة فيكتوريا، قبيلة توركانا، وغيرها من التفاصيل التي يمكن تخيل جول فيرن وهو واقف امام خريطة العالم يخطط مسار روايته القادمة.
رواية بعد رواية، لم يكن من الممكن تحقيق ما كان يحاول تحقيقه من خلال رواية واحدة شاملة، لهذا كتب سلسلة روايات، لكل رواية مسار رحلة، او منطقة جغرافية، ومن ثم يمكن الأستمتاع برواية واحدة كلاسيكية مثل حول العالم في 80 يوم أو رحلة إلي مركز الأرض، لكنك لا تدرك ما هنالك فعلاً، أو تلاحظ ملامح المشروع إلا حينما تنظر إلي مجمل الروايات كلها.
الرؤية الفوقية، سيطرة الطبيعة، شجاعة الإنسان، اتساع الأفق إلي أقصي مداه. إن هذه القراءة تساعد علي تجاوز مشكلات الحياة اليومية الصغيرة، فكم أن العالم الكبير واسع جداً، ورغم حرية التنقل التي تقييدها كثيراً جداً منذ زمن جول فيرن و “رحلات غير عادية” وحتي الآن، الإ أنه لا يزال من الممكن تحقيق الكثير جداً أيضاً طالما أن الإنسان يعرف أن هناك من فعلها قبله، حتي ولو في الخيال.
من التجارب الأوروبية الحديثة في الساحة نفسها، ساحة المغامرة، السفر، العالم الجغرافي الواسع، والشخصيات التي تبدو بسيطة لكنها تحمل بناءاً سردياً شديد الجاذبية والطموح، ألبومات تان تان، بألوانها الزاهية، ونظافة وطزاجة رسوماتها المستمرة في مقاومة الزمن وجذب الأهتمام حتي الآن. تقفز تان تان من خيال النص إلي تفاصيل الصورة المتجسدة. لفنان الكوميكس اللبناني ميشيل معلوف مقولة في وصف الكوميكس: “عندما يغازل الفن التاسع الفن السابع”!
وبقدر ما تصف المقولة منهجه هو الشخصي في معالجة القصص بصرياً من خلال أصعب وأعقد زوايا التصوير السينمائية في صناعة كادرات الكوميكس، إلا أنها تعطي وصفاً رائعة لديناميكية الاستمتاع بهذا النوع الفني الجميل، فمن خلال قراءة كادر تلو الآخر، تأمل تفاصيل الصورة، ثم قراءة الجمل الحوارية، صفحة بعد صفحة، سرعان ما يترسب في النفس شعور الآمتلاء التغذوي بالجمال الفني الخالص، والأنتقال الروحي من العالم الواقعي الكئيب إلي رحابة الفن والمغامرة.
تان تان يجوب العالم. وحده أولاً، ثم بصحبة الكابتن هادوك والبروفيسور كالكيولوس لاحقاً. يمكن بسهولة ملاحظة اهتمام هيرجيه بالثقافة الهندية الشرقية، من خلال عدة مغامرات في الهند، التبت، والصين، ثم مغامرة الرحلة 714 التي تقع في جزيرة ما بين ماليزيا واستراليا. بقية المغامرات تتوزع بين أمريكا، أوروبا، أمريكا الجنوبية، وبعض المناطق في أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وحتي مصر التي زارها تان تان في مغامرة سيجار الفرعون.
في تان تان يخوض الأبطال غمار مغامراتهم راكضين، وراكبين السيارات، والطائرات، والسفن، وحتي الصواريخ الفضائية. يخوضون في الأمطار، ويتسلقون الجبال الجليدية، وينزلون أعماق الجبال البركانية. يتأسس السفر كحجر الأساس الذي تبني عليه المغامرات، حتي ان معظم المغامرات اتخذت طابع البعثات الاستكشافية، إلا أن هذه القاعدة كسرت مرة واحدة في مغامرة لطيفة من ألطف مغامراتهم، حيث يجلسون فقط في المنزل “قصرمولينسار” الخالد طيلة المغامرة.
لطالما كان لدي الأمريكان باع طويل في مسألة السلاسل الأدبية، فطبيعتهم التحمية من حيث وفرة الموارد، واتساع المجال المعيشي، كانت لديهم القدرة علي العمل الواسع الوفير، وقد تميزوا أكثر من أي حضارة أخري في إنتاج سلاسل أعمال الفانتازيا الخيالية، وانشأوا في هذا المجال وحده مكتبة ضخمة من المؤلفات المتجددة التي يصعب الإحاطة بها.
الإ ان كاتباً أمريكياً واحداً فقط حاول أن يصنع شيئاً مختلفاً عندما أرسل سفيره الأدبي فيما يشبه الرحلة حول العالم. جون آبدايك، كاتب بروتستاني من الضواحي، تلقي تعليماً كلاسيكياً راقياً وانخرط علي الفور في الطريقة الأمريكية الدؤؤبة في العمل علي إنتاج القصص. اشتهر آبدايك بتخصيص مكتباً خاصاً لكل مجال من مجالات إنتاجه، فكان لديه مكتب للعمل علي الروايات، وآخر للقصص القصيرة، وثالث لكتابة المقالات.
كتب آبدايك مراجعات الروايات طيلة حياته، وهو رد بليغ علي الاستهجان الشائع حين يشتبك الكاتب الإبداعي في ميدان النقد.
هنري بيك، شخصية ابتكرها آبدايك ووضع فيها الكثير من سماته الشخصية مع التغيير الدرامي الضروري، فجعله آبدايك يهودياً من نيويورك، وبهذا يستطيع من خلاله أن يقول كل ما يريد أن يقوله عن الوسط الأدبي في أمريكا دون أن يشتبك فيه بنفسه مباشرة. حصل هنري بيك علي شهرة مبكرة، في زمن كان يمكن للكاتب الأدبي فيه أن ينال الشهرة كنجم مجتمع. وبالتالي حصل علي عروض استضافات وحديث حول أمريكا، كما أرسلته حكومته كمبعوثاً ثقافياً إلي الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا ضمن برنامجاً للتبادل الثقافي، علي نفقة الحكومة الأمريكية.
زار هنري بيك الاتحاد السوفيتي، رومانيا، بلغاريا، التشيك، كندا واستراليا، نيجيريا وتنزانيا. واما بقية تحركاته فكانت داخل الولايات المتحدة نفسها. هنا ليست الطبيعة حاضرة بقوة جول فيرن، وليست المغامرة هي محرك الأحداث مثل تان تان، وإنما هو العقل الأدبي الذكري الساخر الذي يمتلكه هنري بيك، وبه يخوض التعاملات والمقابلات الغريبة التي تلقي بنفسها في وجهه. تفضح تعاملات هنري بيك بالذات في مجموعة دول الكتلة الشرقية عزلة المثقف الأمريكي عن هموم ومشاكل بقية العالم. الجغرافية الأمريكية جغرافيا مستحيلة. لا ترتبط بالعالم ولا تتأثر به. فقط تؤثر فيه بوفرة الموارد الهائلة، لهذا تستقطب هذه الدول كاتباً مثل هنري بيك لتلميع وتجميل أجوائها السياسية المحلية، ولكن انظر مثلاً إلي كتابات أدبية أوروبية مماثلة، لدينا مثلاً الكوميديا الإنسانية لبلزاك، و روجن-ماكار لزولا، كلتاهما سلستين عامرتين بالشخصيات البشرية، الكثير منهم كتاب ومثقفون وشعراء، وأعضاء نخبة في البراجوازية الفرنسية، ورغم توغلهما العميق في أدق خصائص النفس البشرية، نحن نتكلم ربما عن التشريح الأعظم والأدق في التاريخ الأدبي، رغم هذا يشعر قارئ بلزالك و زولا أن هناك مظلة فوقية تظلل كل شئ، مظلة المشهد السياسي والأجتماعي والأقتصادي الأكبر، هذا النسيج الكبير الذي تذوب فيه الشخصيات البشرية. لقد أتقن زولا تفصيل هذا النسيج حتي أن مدرسة كاملة تأسست اعتماداً علي أعماله هي “المدرسة الطبيعية”، نسبة إلي سيطرة عناصر الطبيعة الحرة علي كتاباته، وتراجع أهمية الشخصيات البشرية رغم كثرة عددها وذيوع تفاصيل حياتها الدقيقة في الصفحات. أمتد تأثير هذه المدرسة الأرتحالي إلي الفنون الأخري: الفن التشكيلي، العمارة، وحتي المسرح.
علي العكس من ذلك تجد في التجربة الأمريكية في هنري بيك أبدايك تمجيداً في البطل الفرد، الكاوبوي الأدبي، ذي الردود اللاذعة والذائقة الفنية المحددة، المحروم من المظلة اللهم مظلة الحكومة الفيدرالية. بينما يفني هنري بيك في ضلالاته العقلية المهووسة حيال العالم، ينعم الأوروبيون بالمقابل بشبكة أمان من رسوخ التقاليد والموروثات.
لدينا في مصر تجربة مع هذا النوع من السلاسل الأدبية هي سلسلة سفاري لأحمد خالد توفيق، تحكي السلسلة علي مدار أكثر من خمسين قصة مغامرات طبية في أفريقيا، داخل إطار أدبي علمي توثيقي، ورغم تركيزها الواضح علي أفريقيا كمركز للأحداث، إلا أنها في عمقها البليغ تعد ارتقاءاً علوياً بالمنظور إلي مستوي النظرة الشاملة علي الشرق والغرب الجغرافي، والشمال والجنون الإنساني، معاً.
كتب حسام دياب تفصيلاً للبلدان التي دارت فيها أحداث السلسلة، ورصداً للشخصيات التي ظهرت فيها، فإذا هي أطلساً حقيقياً لا مثيل له في الغرب، لأن عملية الإحاطة الكلية هذه لن يتمكن غربي غارق في الأستغراب من الوصول إليها قط. فقط شرقي واسع الإطلاع مثل أحمد خالد توفيق هو من يقدر علي غزل ذلك النسيح المعقد المبهر من المواقف. إن أقرب شئ إلي الشرقية كتبه جول فيرن هو الكابتن نيمو في عشرون ألف فرسخ، وقد جعله بكرم أوروبي متعلماً، بصيراً، ذائقاً للفن، وهو شئ لا يقرب حتي من النفاذ الذي بلغه أحمد خالد في سفاري إلي أعماق الوجود البشري وطبقاته.
إنني حين أفكر في السلسلة معتمداً علي ذاكرتي الحرة فقط، أتذكر مشاهد لا مثيل لتنوعها أو مستوي صناعتها، مثل علاء عبد العظيم وهو يجري علي الترمك في بوركينا فاسو، تحطم طائرة سفاري في صحراء كالهاري بجنوب أفريقيا، تسلق جبل كليمنجارو في تنزانيا، المشروع النرويجي بشأن بحيرة توركانا في كينيا، وغيرها الكثير. هذه مخرجات عقل يحمل المكنون الجمالي الفني الأرضي كله في تلافيفه. هذه سلسلة تشعرك بدبيب العالم يضرب في أوردتها الحيوية وأنت تقرأها.
تظل السلاسل الأدبية مضماراً للشجاعة الأدبية، وللمرء أن يتعجب أن الأسواق تعتبرها سلعة بائدة. أن تقرأ جزءاً من كل، خير دائماً من قراءة شئ شارد مقطوع، فهكذا حياة الإنسان، وهكذا القصص كلها. علق جيجيك بعد الحلقة الأخيرة من الموسم الأخير للعبة العروش متسائلاً عما سيحدث بعد ذلك، الأستمرارية الأبدية، هي المظلة التي تحيك نسيح السلاسل الأدبية، وتحت هذه المظلة العظيمة يشقي الإنسان.
وينعم بفناءه.
مجدي شوقي